تقي الدين الغزي

126

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

كان رجلا فاضلا ، صالحا ، تقيّا « 1 » ، مشتغلا بنفسه ، منقطعا عن الخلق ، معملا سائر أوقاته في العلم والعمل . وكان سليم الطّبع ، ساذجا ، تغلب عليه الغفلة ، وكان للسلطان محمد فيه اعتقاد كثير بسبب ذلك . وممّا يحكى عنه من « 2 » الغفلة ، بل « 2 » التّغفّل الزّائد ، والله أعلم بصحّته ، أنّ السلطان محمدا أعطاه تدريس إحدى المدارس الثّمان ، فكان إذا توجّه إلى المدرسة لا يتوجّه إلّا ومعه من يدلّه على المدرسة ، لاشتباه المدارس عليه ، وعدم تمييز بعضها عن بعض ، فاتّفق أنّه جاء مرّة إلى المدرسة وليس معه أحد يدلّه ، فدخل إلى مدرسة غير مدرسته ، ووجد طلبة مدرّسها جالسين ، ومكان المدرّس ليس فيه أحد ، لأنّه كان قد قام لقضاء حاجته ، فهمّ بالجلوس مكانه ، فلمّا نظر إلى الطلبة وتأمّلهم عرف أنّ المدرسة ليست بمدرسته ، ورجع ، وضحك من هناك من تغفّله . وممّا يحكى عنه من الفطنة في أجوبة المسائل العلميّة ، أنّ السلطان محمدا خرج مرّة إلى بعض الغزوات ، وخرج معه العلماء والفضلاء والمدرّسون يشيّعونه ، ومن جملتهم صاحب التّرجمة ، والطّبول تضرب خلفه ، فسأل بعض من هناك من الأفاضل عن معنى قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) « 3 » ما الحكمة في أمر المؤمنين بالإيمان ؟ فقال السلطان محمد للمولى حسام الدّين : أجب عن هذا السّؤال . فقال : هذه الطّبول تجيب عنه . فقال السلطان : كيف ذلك . فقال : إنّ حكاية صوتها دم دم ، والمراد بقوله تعالى : ( آمَنُوا ) دوموا على الإيمان . فأعجب السّلطان كلامه هذا ، واستحسنه جدّا . وكان كثير الكتب ، يشتريها بكلّ ما يفضل عن قوته ، ويصرف أوقاته في مطالعتها . وكان السلطان محمد « 4 » إذا توجّه « 4 » إلى زيارة أبى أيّوب الأنصارىّ يمرّ بباب داره ، فيخرج إليه ، ويسلّم عليه ، ويخرج له شربة ماء ، فيشرب منها ، ويسير ، وكان يحسن إليه كثيرا . * * *

--> ( 1 ) تكملة من : س ، والشقائق . ( 2 - 2 ) تكملة من : س . ( 3 ) سورة النساء 136 . ( 4 - 4 ) تكملة من : س ، وفي الشقائق ما يعضده .